حينما يؤرخ المؤرخون للعمل الإنساني حول العالم، فإنهم غالبًا ما يركزون على القرن الأخير أو نهايات القرن التاسع عشر، حيث بدأت المؤسسات الإنسانية العابرة للقارات تأخذ طابعًا منظمًا، وتنوعت أنشطتها وفق تصنيفات متعارف عليها. غير أن المتأمل في التاريخ يجد أن العمل الإنساني يعود إلى أزمنة أقدم بكثير، وإن اختلفت المسميات.
جدول المحتويات
منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عُرف العمل الإنساني بممارسات مثل إطعام الطعام وكسوة المحتاجين، ولم يقتصر الأمر على المساعدات الآنية، بل تعدّاها إلى ما يُعرف اليوم بالمشاريع المستدامة، والتي يمثلها الوقف. ويُعرف الوقف في بعض الدول الغربية بمصطلح Trust. وقد جاء في الحديث النبوي المرفوع: “ما مات أحد من أصحاب رسول الله إلا وقد أوقف“، وهو ما يؤكد عراقة هذا النظام في المجتمعات الإسلامية.
من الأمثلة التاريخية الشهيرة على الوقف، بئر رومة الذي اشتراه وأوقفه الصحابي عثمان بن عفان رضي الله عنه قبل أكثر من 1400 عام. كما أحصى الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله عشرات الأنواع من الأوقاف في كتاباته، وسجل لنا التاريخ أوقافًا فريدة تعكس البعد الإنساني والاجتماعي لهذا النظام، منها:
1* وقف الصرف على الكلاب الضالة
يُخصص لجمع الكلاب الضالة وإطعامها في أماكن مخصصة، حمايةً لها ومنعًا لأذيتها للناس، بدلاً من اللجوء إلى القتل كما تفعل بعض الدول.
2* وقف رعاية الحيوانات الهرمة
يعني بإيواء الحيوانات الكبيرة في السن، التي لم تعد قادرة على العمل، وتوفير الطعام لها حتى وفاتها.
3* وقف مؤنس المرضى
يوظَّف أشخاص لمرافقة المرضى الميؤوس من شفائهم، يقصّون عليهم الحكايات والقصص لتخفيف معاناتهم وإضفاء الأمل على حياتهم.
4* وقف الزبدية أو الفاخورة
إذا كسر صبي أجير زبدية أو طبقًا، يمكنه استبداله من هذا الوقف دون الخوف من عقوبة صاحب العمل.
5* وقف الغاضبات
مخصص للنساء اللاتي يحتجن إلى الابتعاد مؤقتًا عن أزواجهن بعد خلاف، حيث يجدن مأوى مؤقتًا إلى أن تهدأ الأوضاع وتعود الحياة إلى طبيعتها.
إلى جانب هذه الأوقاف الفريدة، كانت هناك أوقاف كبرى دعمت قطاعات التعليم والصحة، حيث كانت رواتب المعلمين تُصرف من الأوقاف، كما مولت المدارس والمستشفيات والمبرّات. كذلك، خُصصت أوقاف لرعاية المساجد وأئمتها، لضمان استقلاليتهم عن أي تأثير خارجي، وهو ما نراه حتى اليوم في بعض البلدان مثل مصر، حيث يوجد مصنع وقفي ينتج حلّتين سنويًا لكل إمام مسجد.
استمرت ثقافة الوقف قوية حتى بدايات القرن العشرين، إذ كان الناس يوقفون أموالهم إما للأغراض العامة أو عبر الوقف الذري، الذي ينتفع به الأبناء أولًا، ثم يتحول إلى وقف عام بعد انقضاء ذريتهم. وتشير الإحصائيات إلى أن ثلث مساكن الجزائر كانت وقفية، وقرابة 15% من الرقعة الزراعية في مصر كانت تحت نظام الوقف، كما انتشرت الأوقاف في تركيا والعديد من الدول الإسلامية. والجدير بالذكر أن بعض الجامعات الغربية العريقة، مثل جامعة هارفارد، نشأت أساسًا كجامعات وقفية.
لكن الأوقاف واجهت تحديات، أبرزها علاقتها بالسلطة السياسية، وإشكاليات إدارتها وتطويرها لضمان الاستفادة المستدامة منها. في إندونيسيا، على سبيل المثال، وُجد أن أكثر من 25% من الأوقاف عبارة عن أراضٍ مخصصة للمقابر أو المساجد، مما دفع البعض للتفكير في كيفية الاستفادة منها عبر إنشاء أسواق متكاملة حول المساجد، وغيرها من الأفكار المبتكرة التي تُناقَش سنويًا في المؤتمرات الوقفية بالعالم الإسلامي.
بالمجمل، كان العمل الإنساني في الحضارة الإسلامية نموذجًا متقدمًا يتجاوز المساعدات اللحظية إلى مشاريع مستدامة تنفق من ريع الوقف لا من أصله، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية عميقة.
نسأل الله أن يستعملنا جميعًا في الخير، وأن يجعلنا سببًا في نشر النفع بين الناس.
كرم علي – مدير مكتب قطر الخيرية ـ تركيا